LA RÉVOLUTION AU SENS PREMIER DU TERME.
العديد منا لا يعرفهم إلا من خلال وجوههم الملثمة عادة، انهم المقاتلون التشاديون والذين أعلنوا معارضتهم لنظام إدريس دبي عبر السلاح ويتمركزون في الموقع نفسه الذي انطلقوا منه في شباط (فبراير) الماضي ووصلوا حتى العاصمة نجامينا. نجد بينهم وجوهاً سياسية بارزة عملت منذ البداية مع الرئيس التشادي وها هم الآن يتزعمون فصائل مسلحة للإطاحة به.
ها هي الديكة تصيح معلنة فجراً جديداً بعد ليلة قضيناها في العراء لم أتمكن من إغماضي جفوني من كثرة البعوض الذي لم يترك مكاناً واحداً في جسدي إلا ولسعه. اضطررنا أن ننام هنا في هذه القرية العربية ونحن في طريقنا من جنينة غرب دارفور الى المعسكر الواقع في مكان ما على الحدود التشادية - السودانية.
الديك يصيح... إنها ساعة الاستحمام للبعض ثم الصلاة، أما البعض الآخر فقد تجمع حول المذياع الوحيد لسماع آخر المستجدات، وبعد أن شربنا الشاي شرع الجميع في جمع الأمتعة ووضعها في السيارة لننطلق من جديد. اعتبرت نفسي محظوظاً لمصاحبتي قائد قوات تحالف المعارضة التشادية الجنرال محمد حمودة والذي تولى منصب القيادة العامة لقوات مختلف الفصائل المعارضة بعد هجوم شباط الماضي. هو في الخمسينات من العمر له علاقة قديمة مع العمل العسكري إذا انخرط في الجيش التشادي منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ونحن في طريقنا الى المعسكر سألت الجنرال: أما تعبت من حمل السلاح؟
رد الجنرال: أنت محق لم يعد هذا الزمن زمن حمل السلاح، انه زمن الحوار والديموقراطية. وحتى الشعب التشادي ضاق بلغة السلاح ولكن ما العمل إذا كان دبي لا يؤمن إلا بلغة السلاح وهو رجل أتى الى الحكم عبر السلاح ولا يفهم غير هذه اللغة؟ أنا أود أن يجلس الجميع حول الطاولة ولكن من يصغي الى كلامي هذا؟
كنا مجموعة من أربع سيارات رباعية الدفع مدججة بالسلاح وكانت سيارتنا تسير في وسط الطريق الوعرة، فلا طرق معبدة منذ خروجنا من جنينة عاصمة غرب دارفور. مساحات شاسعة تكاد تكون خالية تماماً في ما عدا بعض القرى الصغيرة التي اعترضتنا في الطريق.
ساعات طويلة في طريق لا نكاد نرى منه شيئاً من كثرة الغبار. وأخيراً يبشرني الجنرال بقرب وصولنا.
«مرحباً بكم في قلب معسكر قوات تحالف المعارضة التشادية» عشرات السيارات كانت في استقبال الجنرال على مقربة من المعسكر لتهنئته بسلامة العودة. أخذني حمودة من يدي ليعرفني الى أحد القادة الذين انضموا قبل أربعة أشهر الى صفوف المعارضة. انه الجنرال منعم طاهر الذي كان قائداً للحرس الجمهوري لوقت قريب. سألته: أوتترك القصر لتعيش هنا في الخلاء؟ أجابني باللغة الفرنسية على عكس الجنرال محمد حمودة الذي يتقن العربية ولا يتكلم الفرنسية: وما فائدة القصور إذا تحولت الى سجون؟ في تشاد كل الشعب في سجن كبير الكل يأتمر بأوامر رجل واحد هو دبي، أنا هنا أشارك في تغيير وضع بلادي نحو الأفضل.
لم أكن أصدق ما تراه عيناي حينما وصلنا المعسكر الواقع وسط غابة كبيرة. خلت نفسي في قاعدة عسكرية بأتم معنى الكلمة. آلاف الجنود بأزيائهم العسكرية ومئات سيارات الدفع الرباعي كلها صنعت في اليابان. وأنا لا أزال مبهوراً بما أرى دعاني الجنرال الى تناول الفطور مع بعض القادة الميدانين تحت ظلال شجرة كبيرة. قال لي أحدهم: «أخيراً التفت الإعلام لنا. نحن نقاوم منذ خمس سنوات ولا أحد يتكلم عنا وحتى الصحافة الفرنسية فإنها قليلاً ما تتناقل أخبارنا على رغم ما يربط تشاد بفرنسا». وعوض أن أكون السائل أصبحت المجيب من دون أن تكون لي إجابات مقنعة عن سبب عدم اهتمام وسائل الإعلام بالمعارضة التشادية ولعل الإجابة المقنعة الوحيدة كانت عندما قلت لهم أنتم تعلمون جيداً مدى صعوبة الوصول الى هنا فلا التشاديون يمنحونك الترخيص ولا السودانيون سيسمحون بالعبور، ويبدو أن إجابتي هذه أنقذتني لأعود الى دور السائل.
كان الحديث يدور بيننا باللغتين العربية والفرنسية وهما اللغتان الرسميتان في تشاد. وليس بالضرورة أن يتقن كل التشاديون اللغتين في الوقت نفسه. كان محور الكلام واحداً وهو إدريس دبي والذي نعته المتحدثون بكل النعوت من الديكتاتور الى الظالم والمستغل وغيرها من التهم. وهذا بحسب رأيهم ما دفعهم الى الانضمام الى المعارضة لتغيير نظام الحكم.
عبد الواحد عبود أحد زعماء أحد الفصائل الكبيرة وصل محاطاً بالعشرات من جنوده كان يتكلم عبر الهاتف الفضائي (ثريا) وهو وسيلة الاتصال الوحيدة لدى المقاتلين التشاديين، وكذلك لدى مختلف فصائل المعارضة المسلحة في دارفور.
يقول عبدالواحد عبود: «الأمر بسيط، الرئيس دبي تدعمه فرنسا منذ زمن ولولا فرنسا لما تمكن من البقاء في الحكم يوماً واحداً. نحن نأمل بأن تلتزم فرنسا الحياد كما جاء على لسان وزير خارجيتها كوشنير في شهر آب (أغسطس) الماضي والمتمثل في أن على فرنسا مراعاة رغبة الشعب التشادي وأن لا تربط مستقبل علاقة فرنسا بتشاد مع النظام الحالي. كل الأفارقة يعرفون ذلك ونحن نرفع أصواتنا منذ زمن لنقول لفرنسا كفي عن دعم دبي نحن نأمل بأن يلتزم الرئيس نيكولا ساركوزي بوعوده الانتخابية التي أكد فيها عدم دعمه للديكتاتورية وأنه سيعمل من أجل إرساء الحرية وحقوق الإنسان في أفريقيا أننا لنرجو ذلك فعلاً». عاد الجنرال حمودة ليعلمني بأنه أعدّ لي مفاجئة ودعاني للذهاب معه. ركبنا السيارة من جديد، ودخلنا الى عمق المعسكر. ووسط ساحة كبيرة صعقت بعدد القوات والسيارات الموجودة. كانت فعلاً مفاجأة فقد اعدوا استعراضاً عسكرياً للتعريف بقدرات قوات المعارضة التشادية. أكثر من 2000 عسكري شاركوا في الاستعراض وتم عرض أسلحة منشأها ألمانيا وفرنسا والصين وروسيا وحتى إسرائيل، أما السيارات فقد صنعت كلها في اليابان.
بدأ بالاستعراض شباب من مختلف الأعمار وفيهم من يقل عمره عن السادسة عشرة، يرتدون أزياء عسكرية مختلقة الألوان. إلا أن الملاحظ أن الكثير من الشباب لم يكونوا يلبسون أحذية عسكرية. استعرضوا مدافع ورشاشات وأسلحة مضادة للطائرات.
بدأ الاستعراض وكانت واضحة منذ البداية قلة خبرة هؤلاء في الاستعراض وبعد أن مر الجنود المشاة حان وقت السيارات رباعية الدفع التي لم أتمكن من إحصائها، لكن من المؤكد إنها تجاوزت الخمسمئة سيارة.
سألت الجنرال من أين كل هذه السيارات فأجاب: «من الأصدقاء ومن الشعب التشادي الذي يدعمنا، ومن الغنائم التي نحصل عليها من الجيش التشادي». ومن هم الأصدقاء؟ فأجاب: «لنا أصدقاء في كل مكان وهم يدعموننا».
سألته: هل تقصد السودان؟ أجاب: «لا السودان لا يدعمنا بالسلاح إلا أننا لا ننكر بأنه يقدم لنا بعض التسهيلات للتمكن من العبور».
دام الاستعراض ساعة تقريباً وسط صياح وزغاريد ورفع شعارات النصر. وفي صباح اليوم التالي كان لقاء مع الجنرال محمد نوري رئيس تحالف قوى المعارضة التشادية، الذي يضم سبعة فصائل وقوة عسكرية تقدر بثمانية آلاف مقاتل. وكان نوري قد عمل مع دبي ومع سلفه حسين حبري وزيراً للدفاع وكانت آخر مهماته الرسمية سفيراً لتشاد في المملكة العربية السعودية ثم انضم الى المعارضة منذ ست سنوات. سألت الجنرال نوري كيف تم إنشاء هذا التحالف فأجاب: «انطلقت المعارضة التشادية في شكل عفوي على شكل مجموعات صغيرة ثم بدأت في التزايد ومن هناك شكلت جبهات كبيرة وهي تعد الآن قرابة عشر جبهات سبع منها ضمن تحالف قوى المعارضة ونحن بصدد التحاور مع الآخرين للانضمام إلينا لنكون جبهة واحدة.
وأضاف: «أقول بصراحة إن غالبية الفصائل المعارضة لا تملك رؤية سياسية أو برنامجاً اجتماعياً واضحاً، فهؤلاء الثوار من مختلف القبائل والمناطق التشادية منهم العرب ومنهم الوديان ومنهم القريان كلهم انتفضوا نتيجة الظلم والفقر وعدم توزيع الثروة، وهم يرون الشركات الأميركية والفرنسية وغيرها تقيم المشاريع وتستخرج البترول وغيرها من المواد الطبيعية الكبيرة التي تمتلكها تشاد، والشعب لا يستفيد بشيء ويعيش على المعونات وهو تحت خط الفقر. نحن نعمل من أجل عدالة اجتماعية وتوزيع السلطة والثروة على الجميع».
وعند سؤاله عن انه كان جزءاً من النظام الذي يقاومه اليوم، قال: «نعم هذا صحيح في البداية عملنا معاً من أجل تغيير الوضع، وشيئاً فشيئاً أخذ دبي يتفرد بالحكم ثم أرسلني سفيراً الى السعودية لإبعادي من دائرة القرار وها هو اليوم الوحيد الذي يقرر كل شيء مع بقية عائلته.
وعما يقوله البعض من أن نوري يريد أن يكون تشاد بلداً تحكمه الشريعة الإسلامية، قال: «هذا غير صحيح إطلاقاً فتشاد فيها المسلمون والوثنيون والمسيحيون ونحن نريد تشاد للجميع، صحيح أن الغالبية مسلمة ولكننا نريد نظاماً علمانياً يحمي حقوق الجميع».